إلى خديجة مقابلة ، مولاتنا و عرافتنا 

التقينا للمرة الأولى ، عندما نظمنا أمسية لمشاركة النصوص الأدبية في بيت عرار الثقافي في صيف ٢٠١٤ ، كانت قد حولت تخصصها مؤخرا من طب الأسنان الى اللغة العربية ، كانت واثقة ،قوية ، ذكية ، لم أتخيل حينها أننا سنفجع بها يوما ، حتى في آخر لقائتنا ، لم تكن غير ذلك ،و بذات القوة و الثقة .
اللقاء الأخير ، تحدثت عن برودة طهران و برودة أيامها فيها ، عن صعوبات الماجستير ، عن الأبراج ، عن أورهان باموق و ثقل الصفحات الأخيرة في ثلج ، عن حبها لشمس الظهر الساطعة ، كأنها الحقيقة و كرهها لغيوم الشتاء المتلبدة فوق الضوء ، عن الأفلام الإيرانية العظيمة مثل البائع المتجول و الماضي لأصغر فارهادي . 

في صباح ذلك اليوم تلقينا خبر وفاتها ، نبكي ونحن نحاول سحب ذكرياتنا منها و الهرب بعيدا ، و إحساس يملئني بحقائق خبرتها للمرة الأولى بهذا اليقين ، أن الموسيقى لا تنقذ أحدا ، الله ليس رحيما بنا ، الحب يشنق العاشقين و يعلقهم على الجدران ، الدموع تجف بعد ساعة و ٣٧ دقيقة من البكاء ، النوم أحيانا ينسى أن يزورنا لثلاث ليالي متتالية ، وجوه الأموات تصبح أجمل في المرة الأخيرة ، وجهها هي كان الحقيقة دون المجاز أو استعارة .

قلت ذلك في قلبي حين سمعت الخبر ، رحلت عرافتنا ، رحلت مولاتنا ، توقفت الدراويش عن الدوران ، علقنا الآن بين كل الأشياء ، بين حافة قبرها و السماء ، تاهت الأبراج والأفلاك بعدها ، و سنبقى نبكي على تلك اللكنة الفارسية من فمها الى آخر عمرنا .

انتحرت خديجة في ٢٨ -٨ -٢٠١٧ عن عمر ٢٥ عاما في عمان ، درست الأدب العربي – الفارسي ، في جامعة اليرموك- اربد و كانت تكمل دراسة الماجستير في أدب اللغة الفارسية في طهران . 

Advertisements

في المدن الجميلة تحدث الحروب الجميلة 

عدم اكتمال هذه الرغبات المتتالية ، الرغبات التي تدور حولك انت غالبا ، أو ربما هي رغبة واحدة تتجسد في شكلك انت ، وجهك انت ، يجعلني اقف صامتا عندما تخدش افكار الكتابة او الدراسة رأسي باظافرها ، ما زالت اذكر ذلك المساء بصوت منخفض ، حين قلت لي “بحبك و بحب روحك ” منذ ذلك الوقت وقعت في حبين ، حبك و حب جملتك ، أكررها في داخلي و نحن نجلس على مطل جبل عمان ، و نراقب عمان و هي تبدو من هناك مثل وسواس لم ينضج بعد في رأس رب المدن ، لن أشفى منك و لن أستطيع الكتابة عن ذلك .
انا لا أجيد الكتابة ، أعلم ذلك تماما ، و لهذا خطي لا يقرأ في دفاتر المذكرات الصغيرة ، و قلت لها عندما حاولت قراءة ما فاتها من صفحات عند عودتها ، ما أكتبه ليس للقراءة ربما و لم أكتبه بخط واضح لأنني أشعر أنه ليس ضروريا أن يقرأ مرة أخرى و لم يسبق أن حاولت ذلك ، هي أصوات تصرخ في أصابعك فقط لكي تبقى حيا .
لا أفعل شيء حيال ذلك (الرغبات )، عجز ، انا عاجز ، ما أجيده هو الدراسة و قراءة كل هذه المعادلات مثل بلهاء العالم الذين يرتادون الجامعات المرموقة ، مشروع تخرجي في الجامعة الذي يملىء هاتفي و بريدي الإلكتروني والأوراق على مكتبي ، و يدور حول زيادة قدرة تحمل أنابيب النفط للعوامل الجوية , حقا ؟؟ ماذا بعد ذلك ؟ ما اهمية ذلك للعالم ؟! فليذهب كل نفط العالم الى الجحيم فليحترق و لتصدأ كل انابيب العالم ،من سيهتم لذلك !؟ و عيناي اللتان تصدءان و انا أحاول رؤيتك بشكل أوضح في مكالمة سكايب سيئة، لا أحد يسعفهما بك !!  
عاجز ، أستمع لصديقتي التي تمتلك قلبا هشا و طيبا و كبيرا مثل ثمرة شمام لا تذبل تحملها في صدرها اينما ذهبت ، و هي تحدثني عن الم جرعات الكرتزون في الوريد ، و عن حبها للورم الأزرق في وريد يدها اليسرى و انها تتمنى أن يبقى للأبد، تعتم فجأة في وجهي مدن الضوء ، والعن الأطباء الذين لا يجدون العلاج السري في شمع العسل الجبلي او في كبد الحوت الأزرق أو في أي مكان لعين في هذا العالم ، و أفكر في رشوة الله بصلوات طويلة و أضاحي كثيرة حتى يزيل عنها المرض أو يبدله بمرض جميل لانها جميلة.
رغبة بالكلام ، لا أصمت ابدا و ابدأ بالتكلم عن اي شيء و عن كل شيء مع الغرباء ، حتى يدركهم النعاس و تبقى رسائلي معلقة ، انا كل تلك الرغبات التي لا تكتمل و الأصوات التي لا يبح صوتها ، و انا الكلمات التي لن تستطيع قرائتها، انا الصور الجميلة التي تحذف بالخطأ الى الأبد ، و انا كل أقراط العالم التي سقطت احداها دون أن نعلم و بقي الآخر معلقا تائها ، يتمنى السقوط . 

أصوات تكسير في الطابق السفلي 

الخوف الذي يداهمني دائما في منتصف الأشياء يجعلني أهرب و أغادر المكان فجأة ، أو يجعلني سريع الغضب من كل الأشياء الثابتة حولي ، شيء ما يحدث فجأة يجعلني أحرقها، أكسرها ،أرميها من فوق أعلى بناية في العالم ، أسحقها تحت دبابة ، ثم أبقى بعدها بأيام أهرب من كوابيس تأتيني بها الصحون و الكؤوس و تلك المزهريات الرخيصة الملونة التي كسرتها ، وهي تحاول خنقي بحوافها .
أنا الذي يصرخ طوال اليوم على كل شيء ، على الباص على المحاضرات وعلى مقاعدها الضيقة ، على أجهزة الحاسوب السوداء المحمولة ، على الحشرات الكسولة ، على نباتات الحديقة الخلفية للمنزل ، على سجائر صديقتي ، على رماد سجائرها المتناثر ، على صوت الآذان ، على المرايا المتناثرة في البيت ، على الألوان الهادئة التي تلبسها أمي ، ثم أركض سريعا الى غرفتي في الاعلى ،ثم أختبئ في سريري تحت كل أغطية العالم حتى لا أسمع صوت نفسي المزعجة ، أنا فقط أريد سماعك و انت تقرأ تلك الكلمات الغريبة المركبة فوق بعضها دون إتقان ، لأمتحانك القادم في الأدب و اللغة الروسية ، فقط أريد سماعه هو فقط ، لعشرين سنة قادمة.

عن أسئلة مخيفة

كما العادة في تلك اللقائات السريعة هي مريحة و أخف عبئا، كنت قد قررت ان أجعل هذا الفصل الدراسي في الجامعة كذلك ان لا أسمح لأحد ان يسألني عن اكثر من “كيف حالك او كيف دراستك ” لأرد مبتذلا ان كل شيء جيد، أخاف من الأسئلة اخاف ان يسألني احد عن اشياء لا اعرف اجابتها، ان يعلم ما اخفي و يسألني عنه ، مثلا ان يسأل عن وجهك لماذا شاحب و يجعلك تشبه حشرة كافكا او لماذا تنظر الى السماء دائما هكذا كأنها امرأة عارية أو لماذا تكتب اسم فيرمينيا في زوايا أوراق الملاحظات في المحاضرة او لماذا تراقب وتحفظ شكل الاصابع و عقدها لكل من تقابلهن من فتيات، لماذا تسمع موسيقى الجاز كثيرا في الأونة الاخيرة حتى في الحمام ، لماذا لا تريد المرور من الطريق المشجر المختصر النازل من خلف كلية العمارة و تلتف دائما حوله دون اي سبب،لماذا تخاف البرد والمطر دائما حتى عندما تكون متاكدا من حرارة الجو لكن تحمل معك معطفك الجلدي البني ومظلتك ، لماذا تصوم عن الكلام كل يوم حتى الساعة الثانية عشر ظهرا ، لماذا تكتب و ترسم كل شيء باللون الاحمر في دفتر ملاحظاتك، لماذا تملكتك رغبة في قتل ذلك الشخص الودود عندما قال بكل يقين ان فولتير هو عالم فيزياء و هو من اخترع وحدة القوة الدافعة الكهربائية ال “فولت” او لماذا ما زلت تشاهد فيلم “رسائل البحر ” كل اسبوع و تعيد مشهد البيانو و المطر اكثر من مرة او لماذا ما زال المنبه يرن على الساعة الخامسة فجرا و تطفئه و تعود الى النوم دون اي سبب و لا تعيد ضبطه في الليلة التالية او لماذا تحاول ان تحفظ الصفحة التي وصلت اليها في رواية ثلج لاورهان باموك ولا تجرؤ ان تثني طرف الورقة و تنسى رقم الصفحة في كل مرة ، اخاف ان اسال نفسي هذا الاسئلة و اخاف من ان اجيب اكثر، ولا اعلم لماذا لا احب شكل علامة الاستفهام ايضا!

عدم اليقين يملأ المكان

كما كنت دائما لا استطيع الكذب بسهولة و سريع البكاء و خجول جدا من نفسي عاريا في المرآة، اجد نفسي الان كاذبا خفيفا و احس بعيوني البيضاء مصمتة دائما ،و صرت امضي وقت قرائتي في غرفتي عاريا كنت جبان و مؤمن صالح ، و من السخرية ايضا ان حتى صلاة يوم الجمعة و صراخ خطيبها المنتشي بالايمان هو اخر ما قد يعيدني الى ذلك الوقت و الى نظافة يدي من الشكوك اللانهائية ، بطريقة اخرى اصبحت غير مؤمن حتى بهذا النص، هذا ما كنت دائما اشعر به ان عدم اليقين يملىء المكان و يجعل الايمان مجرد” كليشيه “ للمتصوفة، وابقى انا على ان الايمان هو سبب وجود الله و ليس العكس، وان محاولات البشرية قديمة لفهم الغيب ومعرفة الله منذ بدأ النطق ثم الكتابة، أخذت شكلها النهائي والأكثر عملية بان الله هو مالك كل شيء في الكون و نحن لا نملك شيء في هذا الكون غير الايمان، وان الإسلام كديانة خاتمة والقرآن ككتاب نهائي ومحمد كرسول أخير هو تعبير عن أن هذا الفهم للغيب هو الأكثر عملية وهو الماكث في الأرض، حسنا ما زلت عاريا، و ما زلت اتصفح المئات من مواقع التصوير الايرانية التي لا اعلم لماذا قد تعلقت بها مؤخرا هكذا، إذن ما زلنا هنا

مراجعتي عن فيلم “سائق التاكسي ”“taxi driver ”

Tags

, , , , , , , , , , ,

فيلم “سائق التاكسي ” فيلم من اخراج الرائع مارتن سكورسيزي عام 1976 من بطولة روبيرت دي نيرو و الممثلة القديرة التي ظهرت لاول مرة في هذا الفيلم جودي فوستر ! كان الفيلم مرشح لاربع جوائز اوسكار , و فاز به المخرج بجائزة السعفة كان الذهبية .

المخرج مارتن _ الذي يعتبر من اشهر المخرجين الذين فازو بالاوسكار وذلك عن فيلم “المغادرون ” و هو المخرج الاكثر جدلا بعد اخراجه ل فيلم “الاغواء الأخير للسيد المسيح ”, تعاون ايضا مع روبرت دي نيرو في فيلم “الثور الهائج ” الذي حصل فيه روبرت دي نيرو على الاوسكار كأفضل ممثل .

شخصية ترايفس بيكل , جندي سابق في البحرية الامريكية و رجل وحيد لا يجد له هدف يحاول عبثا الوصول الى هدف في حياته , يمتهن مهنة سائق تاكسي مسائي ف مدينة النيويورك في السبعينيات , التي يصف ترايفس الاشخاص الذين يمتهنون الدعارة و تجارة المخدرات ليلا بالحثالة و يتمنى ان يتخلص منهم المجتمع ليصبح نظيفا والذي وصفهم بال “الحيوانات “و يقول اتمنى ان يهطل المطر يوماً ما ويجرف معه الحثالة عن الطرقات”!

شخصية فوضوية تشعر بالوحدة وتحاول ان تصنع اسطورتها وربما يُفسر هذا التناقض عندما نقرأ التعريف الاصطلاحي لشعور الوحدة: وهي حالة شعورية يختبر فيها الشخص إحساسي الفراغ والعزلة الشديدين، والوحدة هي أكثر من الرغبة بالحصول على رفقة معينة أو الحاجة لعمل شيء ما مع شخص آخر، بل هي شعور بالانقطاع والانفصال والغربة عن الآخرين. كما أن الشخص الذي يعاني من الوحدة قد يجد مسألة إنشاء أي علاقة إنسانية ذات معنى أمراً صعباً أو مستحيلاً. وغالباً ما يتملك الأشخاص الوحيدين حالة الفراغ الداخلي أو الجفاء، ويصاحبهما شعوري البعد والانعزال عن العالم.

فيبحث عن الحب لكنه يفشل بعد دعوته لصديقته الجديدة بيتسي (سيبيل شيبيرد)التي وصفها بانها “كملاك يرتدي فستاناً أبيضاً”، لمشاهدة السينما و يدخلون لمشاهدة فيلم اباحي و التي كان دون قصد هي الافلام التي يشاهدها في السينما ويفشل بعد ان ظنت انه يحاول ان يدعوها لممارسة الجنس معه بعد ابعاد فكرة الحب يشتري العديد من الاسلحة و يحاول ان يكون البطل في انقاذ الاخرين و اثبات دوره في المجتمع عندما يفكر باغتيال المرشح الرئاسي “المرشح المفضل عند بيتسي ” , يجد صعوبة في النوم نتيجة اضظراب شخصيته و يصور المخرج جزء من شخصية الفرد الامريكي آن ذاك و عبثية حياته التي لا ينقصها سوى القيمة الحقيقية لمعنى الاشياء . يصادف آيريس (جودي فوستر) بدور مومس قاصر التي ايضا تعمل بهذا من اجل ايجاد هدفها بعد هروبها من بيت عائلتها , ويحاول ان يجد طريقة لاثبات بطولته في انقاذها بعد ان رسم في مخيلته تلك الصورة التي شبه نفسه فيها انه بطل و مقاتل نبيل او” البطل الهندي “ الذي سوف ينقذ تلك الطفلة من استغلال هذه العصابه دون اللجوء حتى الى الشرطة ويقتل القواد و صاحب الفندق و الزبون الذي كان مع آيريس ! نجح دي نيرو في ابراز تلك الحالة النفسية التي كان يكلم بها نفسه او يكتب بها يومياته وربما وصفته بيتسي بالعبارة الأنسب لشرح شخصية ترافيس بيكل، وتقتبسها من مقطع غنائي يقول: “بعضه خيال وبعضه حقيقي، إنه تجسيد حي للتناقض”. , و ربما المونولوج المشهور في السينما الأمريكية ” هل تتحدث الي ؟ “ “do you talking to me ? ” .. الذي كان يتحدث به الى نفسه عندما كان يتدرب على انواع الاسلحة اتي يحملها عبثا و كان يرغب بقتل الكثير من الناس بدافع تنظيف المدينة و انقاذها و انقاذ نفسه من هذا الغرق الذي يملئه .

موسيقى بيرنارد هيرمان التي اعطت بعض المشاهد روحها بالمزج بين شاعرية آلة الساكسفون ونقرات الطبل، وايضا تصوير مايكل تشابمان الذي برع في تجسيد تناقض شخصية ترايفس عن طريق تصوير نظرات عيونه في المرايا و فوقية الكاميرا وتجوالها في نهاية الفيلم هي نظرة إلهية حيال ترافيس، وبدورها تعطي الفيلم وترافيس الخلاص الروحي .

(سائق التاكسي) بلا أدنى شك من أفضل الا فلام التي حققها المخرج مارتن سكورسيزي . وتكمن قيمة الفيلم كمقام أول في تعدد أبعاد القصة التي كتبها بول شريدير، حيث يمكن النظر لأحداثه كإثارة حول رحلة هذا الرجل في عالم الوضاعة لمنتصف سبعينات نيويورك، أو متابعتها كدراسة لواحدة من أعقد الشخصيات السينمائية وأكثرها تحدياً، أو كذلك مشاهدتها كدراما نفسية تتناول مواضيع الوحدة والهوس واثبات الذات

حين علم الله انه الله

Tags

, , , , , , , , , , ,

في الباص الساعة 7:45 صباحا،و اتسال لماذا جلست على هذا المقعد تحديدا مع ان كل المقاعد كانت فارغة عندما صعدت و ما زلت اسال نفسي هذا السؤال كل يوم، متلازمة الاسئلة التي لا تستطيع ان تجيب عن نفسها، لا أنتظر وصولي الى الجامعة , أريد أن يكمل الباص الى النهاية و أصل الى نهاية كل ما فينا , نهاية هذا الشارع الطويل ,
هذا البرنامج الاذاعي الممل ,
دوران الأرض ,
الموت في سوريا ,
محاضرة الثيرموداينمك ,
انتظار المطر ,
اسرائيل ,
النسيان ,
الذاكرة التي لاتنسى شيئا ,
الدفاتر المسطرة ,
شعر هذه الفتاة على المقعد امامي ,
التأملات الجائعة ,
هذا الضوء الذي يخترق كل شيء ولا يصل الى مكان ,
البحر الذي يأكل الضوء ,
ازرار قميصها ،
رسائل كافكا الى ميلينا ،
النهاية التي تبعد من هنا مليون الف ميل , وننتظر ان تضيء اشارة المرور لونها الازرق عندها يسمح لنا بالصعود الى السماء ,
لماذا نبحث عن النهاية وكأن فيها حقيقة كل شيء، لماذا لا نعود الى البداية ; بداية كل شيء , حين علم الله انه الله

مراجعتي عن فيلم winter’s sleep 2014 “البيات الشتوي ”

Tags

, , , , , , , , , , , , , , , ,

مراجعتي عن فيلم (winter sleep)

الفيلم التركي للمخرج نوري بيلجي جيلان واحد من الافلام الرسمية في مهرجان كان السينمائي و المرشح للحصول على السعفة الذهبية ,و ايضا اطول افلام المهرجان ب 3ساعات و ربع

.

سوف اتحدث عن بعض الملاحظات المهمة حول الفيلم بنظري

شخصية (ايدين) او (عايدين) قام بها الممثل التركي (Haluk Bilginer)

تمثل الشخصية الرئيسية في فيلم رجل في الخمسينيات ثري يملك فندق في قرية تركية في الاناضول , باسم “عطيل” نظرا لنظرته المسرحية و خبرته في المسرح كممثل لمدة 25 عاما و هو يكتب كتاب حول تاريخ المسرح التركي ايضا , يملك تلك النظرة بمعتقدات ثابتة و مفاهيم حول بعض الامور التي تواجهه و يكتب عنها مقالات في جريدة غير معروفة لكنه يجد ذلك جيدا و يؤدي الغرض ربما خوفه من طرح تلك الافكار بشكل اكبر والتي ليست بالضرورة ان تكون صحيحة اور بما انه ليس بمستوى كاتبي المقالات في الصحف الكبرى , لكن يرى ان بعض رسائل المدح التي تصله تثبت انه في الطريق الصحيح بمقالاته , لكن اخته نجلاء وهي مطلقة من زوجها وتشارك ايدين و زوجته المعيشة في الفندق , و التي ايضا تقرأ مقالات عايدين و تعطيه رأيها بما قرأت , قالت له ان رسائل المدح لا تعطي انطباعا عن جودة المقالة فهناك كتاب سيئين جدا على صفحات الفيسبوك و لديهم متابعين و يحصلون على الثناء من اعداد كبيرة من الناس .

في النقاشات التي وردت في الفيلم بين ايدين و اخته و زوجته و المعلم في مدرسة القرية وهي النقاشات طويلة دائما في حوارات جدلية، وتظل الكاميرا تراقب هذا الحوار علي الشاشة لاكثر من ربع ساعة تقريبا في مشهد واحد في حالة واقعية جديدة ومختلفة على السينما وتمثل تحدي كبير للمخرج التركي .

علاقته بأخته نجلاء علاقة مثالية الشكل ظاهرياً. لا خلافات، لا صدامات بينهما، ولا يتجلى عمق الاختلاف بينهما إلا عندما يتحاوران عن الكتابة. والحديث عن الكتابة يقودهما للحديث عن الإبداع وعن الحياة.. ثم يتدرج ذلك الحوار حتى يصل إلى آرائهما الشخصية عن بعضهما البعض، فنجلاء ترى عايدين رجلا مدعيا وكاتبا يكتب عما هو مكرر بل وعن أشياء لا تعبر عن شخصيته فتقول له: لا أعتقد أنه من الصواب لرجل أن يتكلم عن الروحانية في حين أنه لم يذرف دمعة واحدة على قبري والديه ولم يسبق له أن زارهما. ليجيبها بدوره: هناك طرق للبكاء لا تعرفينها يا نجلاء , وتظهر سطحية عايدين بسبب الموضوع الذي يكتب عنه مقالة الاسبوع و الذي لاحظه بعد مقابلته لرجل الدين من عائلة “حمدي حوجه” المستأجرة عنده و التي تعاني من الفقر الشديد , و ينتقد عدم نظافته الشخصية و نظافة ملابسه الرثة و نظافة بيته وكما يرى عايدين يجب ان يكون رجل الدين مثالا يحتذى في كل شيء و اهمها نظافته ومظهره ولم يأخذ بعين الاعتبار فقره الشديد و قدرته المحدودة.

احدى هذه النقاشات كانت بين عايدين و اخته نجلاء و ايضا في نقاش آخر ثلاثتهم مع زوجته نهال ايضا حول “ عدم مقاومة او مجابهة الشر كوسيلة لوقف الشر”

وتدور فكرتها حول ان عدم محاربة الشر قد يؤدي الى ايقاظ ضمير فاعل الشر و يتوقف عن فعله ويشعر بالندم الشديد و يراه عايدين هو فكرة درامية جدا و سخيفة , حيث انها لن توقف المجرم عن فعلته بل سوف تجعله يتمادى و هو ايضا رأي زوجته نهال كذلك لكن اعترضت على سخريته من راي نجلاء باعطائه مثال ان اليهود لو ذهبوا الى المعتقلات النازية دون مقاومة سوف يوقف ذلك هتلر عن حرقهم, وبعد رحيل عايدين تقول نجلاء ما يدور بخاطرها حول طليقها الذي كان سكيرا انها تنوي الذهاب اليه و الاعتذار فقد يجعله يعود الى صوابه و يصبح مستقيما كتطبيق لهذه الفكرة المطروحة , وهذا يعود بنا الى تصنيف الخير و الشر ففي بداية الفيلم يظهر الطفل الذي يرمي سيارة عايدين بحجر انتقاما لضرب والده من الشرطة التي جاءت لتطردهم من بيتهم بسبب الاموال المتراكمة لعدم دفعهم الايجار ل عايدين صاحب البيت و الذي يرى نفسه انسان جيد و لكنه لايسامح الطفل على فعلته و يقبل بتعويض من عم الطفل (رجل الدين ) الذي دائما ما يداهن و يطلب السماح من عايدين لكن هذا لا يخفي حقده على تصرفات عايدين لكن يجد ذلك هو اسلوب للحياة و الابتعاد عن المشاكل بعكس اخيه صاحب الشخصية الساخطة , ويقبل عايدين ان يقبل الطفل يده عندما يحضره عمه للحصول على الرضا من عايدين على فعلته ويرى عايدين ان ما فعله هو عقلاني جدا و لا يصنف تحت اعمال سيئة اضافة الى ما يذكره المعلم في النقاش الاخير في الفيلم عندما كان يتحدث عن اصحاب المال الذين يتبعرون بالمال لكنهم لا يفعلون ذلك للخير ففي زلزال ضرب القرية المجاورة قبل ست سنوات لم يسمح عايدين ان يدخل النازحين الى فندقه و يستكنر ذكر المعلم لهذه الحادثة لان ما فعله كان عقلاني جدا و حسب ضميره هو فعل جيد و صواب .

الضمير أو ما يسمى الوجدان هو قدرة الإنسان على التمييز فيما إذا كان عمل ما خطأ أم صواب أو التمييز بين ما هو حق وما هو باطل، وهو الذي يؤدي إلى الشعور بالندم عندما تتعارض الأشياء التي يفعلها الفرد مع قيمه الأخلاقية، وإلى الشعور بالاستقامة أو النزاهة عندما تتفق الأفعال مع القيم الأخلاقية، وهنا قد يختلف الأمر نتيجة اختلاف البيئة أو النشأة أو مفهوم الأخلاق لدى كل إنسان , وحسب تعريفه فهو يختلف بين الاشخاص فلا يجوز محاسبة احدهم على حسب مجموعة القيم التي تكون ضميري الشخصي , ولكن المعلم يذكر في نهاية الجدال بعد ان غضب عايدين بذكر تلك الحاثة مقولة ل شكسبير من مسرحية هاملت على لسان ريتشارد الثالث “الضمير ليس إلا كلمة يستخدمها، الجبناء ابتكرت، لتلقي الرعب في قلوب الأقوياء، فلتكن سواعدنا المفتولة هي ضميرنا، ولتكن سيوفنا قانونا” ويضرب الطاولة بيده و يغادر. ويجب ان نذكر ايضا مقولة اخرى لشكسبير ان “ الاقوياء ﻟﻴﺴﻮا ﺃﻗﻮﻳﺎﺀ ؛ ﻫﻢ ﺑﻼ ﺿﻤﻴﺮ”. ويظهر تأثير شكسبير في الفيلم و هذا ايضا يرجع تسمية الفندق الخاص بعايدين و عائلته باسم “عطيل ” و هي احد اهم مسرحيات شكسبير واسم شخصية فيها التي ربما وجد عايدين انها تناسب اسم فندقه لان عطيل كان طيبا و محبا مخلصا و لا يعرف الشر ولكنه يواجه في حياته المكائد من الاشرار و هذا ما جعله يقتل نفسه بعد ان قتل زوجته البريئة من المكيدة التي دبرت لها وتهمتها بالخيانة ..

وفي جدال آخر مع زوجته نهال التي ترفض مشاركته لاجتماع الذي يعقد في الفندق دون علم عادين , حول نتائج التبرعات التي تجمع للمدارس الفقيرة , لانها تراه شخص اناني و يحاول السيطرة ودائم الانتقاد للاخرين و الذي يظهر جليا عندما يبدأ بتحذيره لها من المعلم الذي يشاركها العمل في جمع التبرعات انه شخص سيئ و بلا ضمير استنادا الى خبرته في الحياة و بهذه الشخصيات من النظرة الاولى وتظهر هنا ايضا سطحيته في التعامل مع الامور و انه يجب ان يساعدها في حسابات التبرعات كي لا تقع في مشاكل ضريبية و اختلاسات وسط بكاء نهال التي ترى انه يحاول ان يستولي على حياتها و هو يراه بكاء طفولي وان اتهاماتها باطلة وبعد ان تبين حسن نيتها و حسن نية المعلم و المساعدين لها في جمع التبرعات يذكر لها مقولة “طريق جهنم مفروشة بالنوايا الحسنة ” وبعد ذلك النقاش تهدأ نهال و تقول له انه كان يمثل لها رمزا بصفات مميزه لكنها اختفت كلها و خابت توقعاتها ، فهو يقول لها: أنت امرأة طيبة القلب. ذكية، ولطيفة، وعقلانية، كل شيء تقولينه يبدو منطقيا. ولكن..أن تقدسي رجلا إلى مرتبة إله ثم تلوميه ﻷنه لم يكن ذلك الإله فهذا ظلم . .

أفعال الخير في مشاهد الفيلم لم تكن وحدها المعبرة عمّا وراء الخير بل يدور حديث في أحد الحوارات عن مجابهة الشر وتتبنى هذا المفهوم شخصية نجلاء فهي ترى بأن الشر لا يجابه بالقوة بل بالتسامح الذي قد يجعل الشرير نادماً فيتخفف من شره. لكنها وفي مشهد آخر نجدها ترغب في معاقبة الخادمة التي كسرت فنجانين القهوة. فنجلاء، كما هو الحال مع عايدين، لديها قناعات ومفاهيم ولكنها لا تمارسها بل تتبناها فقط.

عايدين عندما يصف نفسه يقول: أنا رجل بسيط، وأسوأ جزء فيّ هو أنني أنوي البقاء هكذا، لذا فهو ليس بالرجل السيئ أو حتى الرجل المأزوم بل هو رجل يمثل الشخصية الوسطيّة في الحياة. لكن مثل هذه الشخصيات لديها أيضا أزماتها الوسطية وأحلامها وأخطاؤها. وعندما تحدث تلك المواجهات مع أخته ومع زوجته فهي لا تطيح بتلك الشخصية ولا تمحو تلك العلاقة مع تلك الأطراف، بل أن تلك الحوارات تدار بطريقة متحضرة وبلغة ثقافية عميقة المحتوى وخالية من المصطلحات التي قد تربك المشاهد العادي. لذا فالحوار يستخدم اللغة المثقفة الوسيطة وكما يمثل عايدين الشخصية الوسطية فإن نجلاء ونهال تمثلان ذلك أيضاً على طريقتهما.

الفيلم جميل جدا و تجربة جديدة بالنسبة لي, التصوير كان رائع و تلك الزاوية الواسعة في المشاهد كانت تصنع لوحات جميلة والموسيقى كانت تعطي بعض مشاهد الفيلم رونق خاص و في هذا الرابط المقطوعة الموسيقية الذي كانت في بعض مشاهد الفيلم ونهايته

https://soundcloud.com/kasem-m-mahafda/winter-sleepkis-uykusu-film-winter-sleep-nb-ceylan-schuberts-piano-sonata .

“من أنتم؟ من أنتم؟”

Tags

, , , , , , , , , , , , ,

كما هو الحال اجد نفسي لا أستطيع أن أهرب من الإنتظار و احاول ان اعرفه حتى لا يتملكني، الإنتظار هو أصل الوقت، استغرب نفسي عندما يطول انتظار احدهم و لا احاول ان استعجله و ابقى منتظرا هاربا من كل شيء الا من الانتظار، اشعر بذلك الوقت الحقيقي الذي يسير في داخل كل شيء حولي و يتسلل من بين اصابعي، ليس بوقت الفرح القصير جدا و ليس بوقت الحزن اللامنتهي، و ليس حلم ياتي في اخر ساعة قبل استيقاظك و يحاول ان يراك قبل ان تموت و تعود الى حياتك، هو الوقت كل الوقت الثقيل الذي يعيش على الدوران!

كان اليوم طويلا مليئا بالإنتظار، إنتظار الباص إنتظار الإمتحان و إنتظار المدرس في توزيع و جمع الأوراق، و إنتظار صديقتي التي تتأخر دائما ساعة عن موعدها و إنتظاري لها دون ملل و دون أي إتصال للإستعجال، و اصطحابها للسينما و إنتظار الفيلم، و إنتظار بائع الفشار لتحضيره، و إنتظار بداية الفيلم ،و محاولات كبيرة في عدم التكلم عن صانع موسيقى الفيلم و عن صناعة بعض المشاهد العبقرية في الفيلم و عن الترجمة الخاطئة لبعض العبارات أثناء العرض لعدم التسبب بسخط المشاهدين في المقعد الامامي ، و تذكري لشخصية “القذافي” من أحد مشاهد الفيلم، و لأول مرة أحاول أن أفكر في سؤاله المعروف ك سؤال عبثي منه “من أنتم؟ من أنتم؟ ” لماذا نسخر من سؤاله و هل إستطاع أحدنا ان يجيب عن السؤال “من أنتم” ؟!! ، إنتظار نهاية الفيلم، و إنتظارها لجلب مجموعة ادغار الآن بو القصصية التي نسيتها في الصالة أسفل المقعد و التي أحضرتها لتقرأ منها قصة “القطة السوداء ” المطلوب قرائتها و تحليلها في مساق الأدب الأمريكي الكلاسيكي، و إنتظار النزول و الصعود على السلم الكهربائي المتحرك، و خيار المشي عودة للمنزل كان الخيار المناسب لنتخلص من انتظار سيارات الأجرة التي بدت تملئ مدينة اربد مؤخرا ، لكن حتى في ذلك اشعر و كاننا في إنتظار انتهاء الإنتظار .

هل سنة الله أن ننتظر، ننتظر الموت و هل الأموات ينتظرون القيامة، و ما الذي ينتظره الموت؟ وهل ينتظر الله شيئا أم أن الإنتظار نقص، ما ضد الإنتظار؟ هل هو معرفة كل الإحتمالات او هو إيقاف الدوران

مراجعتي للفيلم الفرنسي “Le passé”- “الماضي ”

Tags

, , , , , , , , , , , , , , , ,

الفيلم الفرنسي “Le passé”- “الماضي ”“ للمخرج الايراني “أصغر فرهادي ” التجربة الاولى له خارج ايران و باللغة الفرنسية , مرة أخرى يدخلنا فرهادي في صراع الطلاق بطريقة دراميا بسيناريو ايضا من كتابته , بعد نجاح فيلمه الدرامي الجميل “الانفصال ” و بنهاية مفتوحة وأحداث قليلة و خلفية صامته خالية من الموسيقى و ينتهي الفيلم عندما ينتهي ما يريد انه يوصله المخرج , ليثبت فرهادي انه سيد الدراما الأسرية المعاصرة.

بسيناريو بارع جدا و كامل دون تفاصيل اضافية او تفاصيل ناقصة,وطاقم الفيلم الرائعين و الذين من أصول غير فرنسية في الاغلب “بيرينيس بيجو” العصبية التي لا تفارق السيجارة يدها هذه المرة, “طاهر رحيم” صاحب الوجه البارد الذي يظهر مشاعره من عيونه فقط بببراعة و احمرار عيونه “علي مصفّى” الذي يحاول ان يثبت حكمته, إلى “بولين بورليه” بدموعها السخية ووجها الحائر المذنب ..

يبدأ الفيلم بمشهد عبقري في المطار في انتظار وصول “أحمد”دون صوت بحديث من خلف زجاج بطريقة روتينية خالية من اللهفة لانه عاد لاكمال اجراءات الطلاق , و يليه مشهد عبقري آخر عندما يدخلون مسرعين الى السيارة هربا من غزارة المطر و تحرك السيارة لتصدم بما خلفها برسالة واضحة لاسم الفيلم “الماضي”.

البيت و الذي لا يخلق اي شعور بالشك ان البيت مجهز من مسؤولي الديكور في الفيلم , البيت يبدو طبيعيا جدا وواقعي جدا, يصل أحمد ويجد الطفلين “لي” ابنة زوجته و”فؤاد” ابن “سمير” العشيق الجديد لزوجته الي انتقل للعيش معها, يحاولون تصليح الدراجة ليأتي هو و يساعدهم كي يثبت ان جاء ليصلح الامور لا لكي يجعل الامور اسوأ, و يدخل ليجد البيت يطلى دون تحريك شيء فقط تكتفي زوجته السابقة “ماري” في تغطية الاثاث باكياس بلاستيكية ,و يبقى البيت دون اكتمال الطلاء طول فترة الفيلم و يتناوب سمير و ماري في طلاءه كانهم يحاولون ان يصنعوا بداية جديدة و التي تستمر في تنبيه أحمد بالا تمس ملابسه اثار الدهان و الذي أيضا لم يعجبه لونه قائلا بان اللون القديم كان افضل .

ينتظرالمشاهد التقاء احمد و سمير ظنا ان المقابلة سوف تكون مهمة لكن بطريقة درامية باردة يلتقون اثناء تصليح احمد لانابيب المطبخ و يعتذر عن مصافحته لان يديه متسختين .

تؤدي “بيجو ” دور بارع و متقن , في حَنَقها ودخان سجائرها ومحاولاتها اليائسة لضبط أعصابها, و ايضا “بولين بورليه” كانت بارعة و التي لعبت من قبل دور إيديت بياف الصغيرة, . و قرأت في مقال عن الفيلم ان “علي مصفى” الممثل الإيراني قد تعلم اللغة الفرنسية فقط لأجل أداء هذا الدور. قد لا تكون القصة مماثلة لقصة “الانفصال”, لكن ببساطة شعرت جدا بتقارب شخصية “احمد” من شخصية “نادر” التي قام بها الايراني “بيامين موادي”. , . و أكثر ما يميز حقاً النص هنا أكثر هو السلسلة المتعاقبة من المفاجآت التي تجعله لا يسير حسب توقعات المشاهد في الغالب, وهو هنا يلقي وراء ظهره حالات التناقص الاجتماعي التي كنت أظن أنني سوف أرى الصراع بين رجل إيراني وزوجة فرنسية, ليركز على تقديم شخصياته بصورة المستيقظ من الحلم كأنه كذبة أو وهم لا إدراكي بحاجة تقويم سريع. كنت أظن أن الفيلم تعوزه الموسيقى, إلا أن هذا ليس عيباً فالمأزق العائلي كان يملىء بصوت المطر وحفيف الشجر والموسيقى النهائية التي زادت المشهد الأخير جمالا . أحسستُ بميلودرامية معينة تنسلّ بصورة خفية يائسة من تحت جلد الشخصيات. ألوم بعض الشيء شخصية “أحمد” فلا أعتقد أن الرجل الشرقي قادر على التساهل كل هذا القدر في بعض النواحي (كمساكنة رجل مع زوجته حتى ولو كانت تحبّه, أو حملها من آخر وهي على ذمته) لكن كان ذلك ذكيا من فارهادي فكفانا من هذه النظرة القاسية التي كرّسها الغرب كثيراً للرجل الشرقي (مع تحفظي على هذا المصطلح ) إلى درجة جرّدته من الإنسانية, بل من الممتع أن نجد عقلانية يُبنى عليها في تشخيص الرجل الشرقي سينمائياً في الغرب.

رغم الصدامية الثقافية الملغومة تحت السطح, فهو لا يسمح لنفسه بفرض رأيه على المشاهد في منازعاته العائلية, ويحسن استخدام المجتمع والوسط المحيط, ليتركك معلقاً في النهاية مستلذاً, دون أن تشعر أبداً بالإحباط.

الفيلم حائز على جائزة أحسن ممثلة فى مهرجان كان لـ”بيرنس بيجو” وايضا جائزة لجنة التحكيم كما رشح لجائزة الجولدن جلوب